تأخر كهرباء الشمس في بلادنا

يتساءل البعض، لماذا بلادنا الحبيبة المملكة العربية السعودية لا تعتمد كلياً في انتاج الكهرباء على الطاقة الشمسية، لا سيما وأن أرضها تستقبل اكبر كمية اشعاع ضوئي على مدار العام وأرضها شاسعة ومتوفرة لبناء محطات شمسية ضوئية او حرارية ؟!

لا يوجد جواباً مباشراً لمثل هذا السؤال الجواب كما ان مثل هذه القضية  تتداخل مع تخصصات مختلفة يصعب الخوض فيها جميعاً هنا بالتفصيل ولكن سأطرح وجهة نظر خاصة مبنية على قراءات ومطالعات متخصصة، ووجهة النظر هذه حتماً قابلة للنقد والنقض ، فأقول ان ذلك يعود للأسباب التالية:

أولاً : المملكة العربية السعودية رائدة الصناعة النفطية في العالم لازالت تنعم بفضل الله بالكثير من خيرات الأرض التي خصها سبحانه وتعالى بكميات  قد تفوق احتياطات العالم ، وعليها بنت سياستها الاقتصادية لعقود من الزمن، ولازالت هذه الوفرة رغم الكثير من الفرضيات او النظريات التي تعتقد أن كمية النفط المتوافرة في اراضينا بلغت الذروة او تكاد تبلغ وهناك نظريات متطرفة ذهبت الى ان النفط لن يدوم اكثر من ثلاثين عاماً حتى ينضب . الا انه ورغم ذلك لازالت تكتشف سنوياً المزيد من الحقول النفطية في بلادنا وفي غيرها مما يجعل التخلي عن النفط كلياً في انتاج الكهرباء أمراً غير مقبولاً في هذه المرحلة، فمن يملك شيئاً الآن فعليه استثماره لا تركه في باطن الأرض دون استخدام بحجة أنه (ربما) ينضب مستقبلاً.

لهذا السبب، فإن استخدام النفط ومشتقاته كوقود – رخيص – في ظل الطلب المتزايد سنوياً على استهلاك الكهرباء هو أحد اسباب عدم التحول الكلي عنه باستخدام البدائل الأخرى كالطاقة الشمسية او الرياح. الا ان الدولة رعاها الله منبهة الى ذلك ومقتنعة بضرورة تنويع المصادر في انتاج الطاقة عموماً وانتاج الكهرباء خصوصاً، ولذلك فقد وضعتها ضمن رؤيتها الجديدة ٢٠٣٠ ليكون التحول او التنويع متدرجاً حتى تختبر مثل هذه الخيارات مستقبلاً بتأني ووفق خطط مدروسة ويستفيدوا من تجارب الدول الأخرى القائمة حالياً.

ثانياً: من الأسباب التي تقلل من فرص ادخال انظمة الطاقة الشمسية على الأٌقل عند الأفراد المواطنين حالياً هو ارتفاع اسعار التقنيات المستخدمة (الالواح الشمسية والمنظم والعاكس Inverter) لها رغم تطورها السريع الا انها لاتزال غير منافسة لتقنيات انتاج النفط التي اصبحت خبرة المملكة فيها اكبر واكثر.

ثالثا: من أهم الاسباب هو قلة المتخصصين الوطنيين  في هذا المجال، سواء على مستوى الشركات او حتى المهنيين والفنيين والمهندسين او التخصصات الاقتصادية والقانونية ذات العلاقة ، ولهذا يجب تأهيل ابناء الوطن عبر برامج متخصصة في الجامعات وتخصيص برامج ودورات تأهيلية لمهندسي وفنيي الكهرباء والطاقة والميكانيكا وهذا الأمر يحتاج وقت بطبيعة الحال، الا ان هذه الخطوة مهمة حتى لا نظل معتمدين على تقنيات تديرها عمالة او شركات اجنبية.

رابعا: عدم جاهزية البنية التحتية للشبكات الكهربائية في معظم مناطق المملكة، بما في ذلك اختلاف انظمة الجهود الكهربائية المستخدمة وعدم جاهزية البيوت بالعدادات الذكية ثنائية الاتجاه او عدادات الـ Net metering ،وهذا الأمر تعكف عليه شركة الكهرباء السعودية من خلال برنامج تطوير وتغيير للتمديدات والعدادات لكل المنازل ولكنه يحتاج عشر سنوات على أقل تقدير حسب ماهو معلن في موقع الشركة السعودية للكهرباء.

خامساً: عدم جاهزية الأنظمة والتشريعات التي تسمح للأفراد او المستثمرين بإدخال انظمة الطاقة الشمسية وخصوصا الخلايا الفولت ضوئية ، كما هو معمول به في بعض دول أوروبا مثل ألمانيا واسبانيا ، حتى ان الفرد لو اراد استخدام الانظمة الشمسية في منزله فلن يتمكن في الوضع الراهن من ربطها بالشبكة والاستفادة من بيع فائض انتاجه وبالتالي توفير فواتيره ، وذلك لعدم اكتمال او جاهزية البنية التحتية. الا انه يمكن للمواطن تركيب الواح شمسية بشكل معزول off grid وهذا الأمر ليس مجدي اقتصادياً للأفراد حالياً، نظرا للكلفة العالية للبطاريات رغم تقدم البحوث في هذا المجال.

وهذه التنظيمات والسياسات هي من مسؤولية منظم سوق الكهرباء في المملكة وهي هيئة تنظيم الكهرباء، والتي اعلنت قبل اسابيع عن النية في اصدار تنظيم ينظم تركيب الافراد لأنظمة الطاقة الشمسية وربطها بالشبكة الكهربائية.

سادسا: عدم اكتمال اعادة هيكلة  شركة الكهرباء بحيث تصبح عدة قطاعات مستقلة عن بعضها وان كان قد بدأ فعلياً حيث تم فصل قطاع التوليد عن النقل، ومن ثم فتح باب المنافسة والاستثمار في قطاع انتاج الكهرباء (التوليد) من قبل شركات اخرى مما يجعل ادخال مصادر متنوعة لإنتاج الكهرباء  كالطاقة الشمسية ذا جدوى اقتصادية للشركات المستثمرة الاخرى بشرط رفع الدعم الحكومي عن الوقود النفطي لشركة الكهرباء لتصبح المنافسة عادلة. الا ان مثل هذا الاجراء تتحفظ عليه الدولة غالباً خشية ارتفاع تكلفة انتاج الكهرباء اكثر مما هي عليه مما يؤدي الى ارتفاع تكلفة الفواتيرعلى المواطنين نتيجة لذلك ، وبنظري انه سوف تقوم الدولة برفع الدعم تدريجيا عن دعم الوقود النفطي حتى لا ترتفع الاسعار فجأة – وهذا متوقع ان يكون بحلول شهر يوليو للعام الحالي 2017م ،.الا ان ادخال منافسين جدد وتحرير سوق الكهرباء من الدعم الحكومي سيجعل الاسعار تنخفض نسبيا على المدى البعيد بالإضافة الى ارتفاع جودة الخدمة المقدمة وهذا ما يتمناه اي مواطن.

سابعاً : عدم وجود دعم للأفراد لبناء انظمتهم الشمسية من خلال القروض او عدم وجود خصومات على الفواتير وغيرها من المميزات التي تشجع الفرد على استخدام الالواح الشمسية من مزودي الكهرباء كما هو معمول به في بعض دول اوروبا او امريكا وهذا سيكون أحد أهم  اسباب عدم المشاركة على مستوى الافراد.

في الأخير، اسواق الطاقة والكهرباء بما فيها الطاقة الشمسية والمتجددة هي اسواق عملاقة وغالباً لا يجرؤ الدخول فيها الا مستثمرين كبار كالدول او شركات عملاقة كأرامكو وغيرها ، وهذا ربما ما يبطيء دخول منافسين للسوق الا ان فتح باب الاستثمار لشركات اجنبية قد يكون حلاً ، تماماً مثل ما حدث في قطاعي الاتصالات والطيران المدني في السوق السعودي.

اما الحديث عن ان ما يمنع ادخال انظمة الطاقة الشمسية والاعتماد عليها في السعودية هو بسبب الظروف الجوية القاسية للبلد كالحرارة والغبار فهذا الحديث غير صحيح على وجه الاطلاق لتطور تقنيات حديثة ومتطورة لتنظيف او تبريد الانظمة الشمسية ورفع كفاءتها وان كانت هذه الاسباب قد تكون عائقاً عند الحديث عن استخدام الالواح الشمسية على مستوى الافراد الا انها على مستوى دول او شركات فهو غير صحيح.

كتبه :

م.فهد عبده رفاعي

مهندس  معتمد من هيئة المهندسين ك محترف

مدرب متخصص في الطاقة الكهربائية والشمسية

ماجستير هندسة وادارة الطاقة الكهربائية

twitter :@fahraf1